Thursday, February 4, 2016

الدرس (٥٣) شرح أصول السنة

🌴الدرس (53) لكتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تأليف الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حفظه الله، 

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

 

الشهادة للمعين بالجنة أو النار: 

🍄المتن: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار؛ نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب؛ ونرجو له رحمة الله". 

ـــــــــــــــ 

الشرح

المراد بأهل القبلة: من التزم بأحكام الإسلام، واستقبل القبلة في الصلاة، 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: 🍀"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته"  . 

 

وهذا المسلم الذي التزم بأحكام الإسلام في الظاهر، 

ولم يفعل ناقضا من نواقض الإسلام: يحكم عليه بالإسلام في الظاهر، 

ولا يُشهد عليه بجنة ولا نار، لكن يُشهد بذلك على العموم، 

فيقال: كل مؤمن في الجنة، وكل كافر في النار، 

ولا يُشهد على معين من أهل القبلة بجنة ولا نار، 

لكن نرجو للصالح الثواب، ونخاف على المسيء المذنب العقاب. 

 

فمن رأيناه مستقيماً على طاعة الله، وعمل الطاعات، فمثل هذا نرجو له الجنة، لكن لا نشهد له بها، 

ومن رأيناه يعمل المعاصي والمخالفات، نخاف عليه من النار، ولكن لا نشهد له بها،

ولكن نشهد على سبيل العموم، فنقول – كما سبق – كل مؤمن في الجنة، وكل كافر في النار.

 

أما الشهادة للمعين بالجنة: فلأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال:

🍂القول الأول: أنه لا يشهد للمعين إلا لمن شهدت له النصوص بذلك، 

مثل العشرة المبشرين بالجنة، فهؤلاء نشهد لهم بالجنة، 

كما جاء في الحديث: 🍀"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، 

وكذلك "ابن عمر"، و"عكاشة بن محصن"، و"عبد الله بن سلام"، وكذلك "بلال" كلهم مشهود له بالجنة.

 

هذا هو الصواب وهذا هو الراجح. 

ويضاف إلى من سبقوا : أهل بيعة الرضوان، 

كما قال صلى الله عليه وسلم: 🍀"لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"

وأهل بدر – على وجه العموم – كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لعمر: 

🍀"وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " . 

 

🍂القول الثاني: أنه لا يشهد إلا للأنبياء فقط . 

 

🍂القول الثالث: أنه يُشهد لمن شهد له اثنان عدلان بالجنة، 

 

🌴بدليل حديث أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض فجلستُ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه،

فمرتْ بهم جنازة فأثنى على صاحبها خيراً، فقال عمر رضي الله عنه: "وجبتْ"،

ثم مر بأخرى فأثني على صاحبها خيراً، فقال عمر رضي الله عنه: "وجبتْ"،

ثم مر بالثالثة فأُثني على صاحبها شراً، فقال: "وجبتْ"، 

فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبتْ يا أمير المؤمنين؟

قال : قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : 🍀"أيما مسلم شهد له أربعة بخير؛ أدخله الله الجنة"

فقلنا وثلاثة، قال: "وثلاثة" فقلنا: واثنان، قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد.

 

🌴ودليل آخر وهو: ما ثبت في الحديث الصحيح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: 

مُرَّ بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجبتْ"، 

ثم مروا بأخرى  فأثنوا عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "وجبتْ"،

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت؟ 

قال: 🍀"هذا أثنيتم عليه خيرا؛ وجبت له الجنة، 

وهذا أثنيتم عليه شرا؛ فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" . 

 

🌴الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: 🍀"يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار"، 

قالوا: بم ذاك يا رسول الله؟ قال: 🍀"بالثناء الحسن، والثناء السيئ ؛ أنتم شهداء الله بعضكم على بعض".

قالوا: هذا دليل على أنه يُشهد بالجنة لمن شهد له أهل الخير وأهل العدل، دون الفساق، وأهل التفريط، 

لكن من شهد له أهل الخير أهل الصلاح والتقى، بالخير، فهذا دليل على أنه من أهل الجنة. 

 

🌺والصواب: القول الأول: إنه لا يشهد بالجنة إلا لمن شهد له النصوص، 

وإلا لم يكن هناك ميزة للمبشرين بالجنة، 

فلو أنَّ كُلَّ واحد يَشهد له اثنان بالجنة؛ يكون من أهلها لصار مثل المبشرين بالجنة!! 

 

وأما حديث "أنتم شهداء الله في الأرض"، فأجاب عنه بعض العلماء، بأنه خاص بالصحابة الذين زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم وعدَّلهم. 

 

🌺فالصواب: أنه لا يُشهد بالجنة والنار إلا لمن شهدت له النصوص. 

 

وكذلك نشهد بالنار لمن شهدت له النصوص بذلك، كأبي لهب، وأبي جهل، 

وأما من لم يَرِدْ فيه النَّصُّ؛ إذا علمنا أنه مات على الكفر، ولم يكن له شبهة، وقامت عليه الحجة، 

فهذا نشهد له بالكفر، ونشهد عليه بالنار؛ إذا عُلِمَتْ خاتمته، 

مثل شخص حضرته الوفاة؛ وهو يفعل الشرك، ونهيته عن الشرك، فقال: أريد الشرك، ومات على ذلك، وبلغته الحجة، فهذا يُشهد له بالكفر، ويُشهد له بالنار. 

 

أما ما لم تعلم حاله، ولا تدري هل هو له شبهة، أو: لا، وهل قامت عليه الحجة، فلا تُكَفِّرْهُ بِعَيْنه؛ فلعله أن يكون جاهلاً، أو عنده شبهة؟ 

فنقول فيمن هذا حاله وأمثاله: اشهدْ بالعموم، ويكفيك أن تشهد بالعموم، وتقول على وجه العموم: كل كافر في النار، كما تقول: كل مؤمن في الجنة.

 

وفي الحديث: أنه لما مات طفل، قالت عائشة: يا رسول الله طوبى له! عصفور من عصافير الجنة، 

قال: 🍀"وما يدريك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أقواما، خلقهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أقواما خلقهم وهم في أصلاب آبائهم" فأنكر عليها؛ لأنها شهدت له بعينه، وإن كانت النصوص دلت بعمومها على أن الأطفال في الجنة. 

 

💐فتلخَّص من هذا: أن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنه لا يُشهد على أحد من أهل القبلة، بجنة ولا نار، إلا من شهدت له النصوص.

 

أما من فعل ناقضا من نواقض الإسلام، فإنه يُحكم عليه من جهة العموم؛ 

فيقال: هذا كفر، وأما الشخص المُعَيَّن؛ فلا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، وَوُجِدَتْ الشروط، وانتفت الموانع . 

 

**********************

Thursday, January 28, 2016

الدرس (٥٢) سرح أصول السنة

🌴الدرس (52) لكتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تأليف الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حفظه الله، 

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

 

🌸قتال اللصوص والخوارج:

 

🍄المتن: قال المؤلف رحمه الله: "وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله، 

فله أن يقاتل عن نفسه وماله ويدفع عنها بكل ما يقدر، 

وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم،ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين،

إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك وينوي بجهده أن لا يقتل أحدا، 

فإن مات على يديه في دفعه عن نفسه في المعركة؛ فأبعد الله المقتول، 

وإن قُتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله؛رجوت له الشهادة، 

كما جاء في الأحاديث وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله، ولم يؤمر بقتله ولا اتباعه، 

ولا يُجهِز عليه إن صرع أو كان جريحا، 

وإن أخذه أسيرا فليس له أن يقتله، ولا يقيم عليه الحد، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله؛ فيحكم فيه"

ـــــــــــــــ 

الشرح: 

من عقيدة أهل السنة في قتال اللصوص والخوارج: أنه إذا جاء لص في بيتك يريد أن يأخذ مالك،

أو في بيت غيرك، أو في أي مكان يريد أن يأخذ مالك، أو تعرَّض لك بعض الخوارج، وصال عليك، فهل لك أن تستسلم، أو تدفع عن نفسك؟

الصحيح أنَّ المرءَ يدفع عن نفسه، وعن ماله، وعن أهله.

 

ولكن عليه أن يدفع هذا اللص أو الخارجي بالأسهل فالأسهل، 

فإذا اندفع بالضرب فلا يقتله، بل يضربه حتى يندفع، أو يكسر يده مثلاً، أو يقطعها، ولا يقتله، 

فإذا كان  كما مضى  لا يندفع إلا بقطع اليد، أو الكسر؛ فله، 

وإذا اندفع بالضرب بالعصا؛ فلا يضربه بالسيف ولا بالسلاح، 

وإذا لم يندفع؛ فله أن يدفع بالأخف فالأخف، ولا ينوي قتله، بل يدفع بالأسهل فالأسهل. 

 

وإذا هرب فليس له أن يطلبه، ويقاتله؛ ما دام أنه هرب وخرج من البيت، أو من المكان، وسلمت من شره؛

فاتركه، ولا تطلبه، ولا تتبع أثره: إنما الذي يلحقه ويتبع أثره: الولا، أو الإمام، والشُّرَطُ، 

فهؤلاء هم الذي يلحقونه حتى يُؤَدَّبَ ويُقام عليه الحد أو التعزير، فهذا لولاة الأمور، 

أما أنت فليس لك أن تلحقه ثم تأخذه وتؤدبه وتضربه، أو تطلق عليه النار، 

لكن لا مانع أن تبلغ، تبلغ ولاة الأمور، وتبلغ الشَّرَطَ، حتى يؤخذ ويُؤَدَّب.

 

لكن إذا لم يندفع إلا بالقتل؛ فهو إما أن يقتلك أو تقتله، فلك قتله في هذه الحالة؛ للضرورة، لا تستسلم للقتل، 

فإن قَتَلْتَهُ؛ يقول الإمام: "أبعده الله"، وإن قتلك أنت؛ "فأنت شهيد".

ولهذا قال: في حال أنه قَتَلَكَ وأنت تدافع عن نفسك"رجوت له الشهادة، كما جاء في الأحاديث وجميع الآثار في هذا إنما أُمِر بقتاله، ولم يؤمر بقتله ولا اتباعه"، 

فأنت مأمور إذاً بقتاله لا بقتله، وهناك فرق بين الأمرين بين القتل والقتال - ، 

القتالُ دفاعٌ عن النفس؛ فإذا قاتلك تقاتلُه؛ تدفعُ عن نفسك، ولست مأموراً بقتله، ولكنك مأموراً بقتاله؛

دفاعا عن النفس، ولست مأمورا باتباعه واللحق به، وطلبه إذا هرب أو فارقك. 

 

وذكر الإمام أحمد أيضاً: أنه ليس لك أن تُجهز عليه إذا صُرِعَ، أو جُرِحَ، 

 

ما دام أنك سلمت من شره، بل يُسلّمه لولاة الأمور، أو يُسَلَّم للشُّرط،

وكذلك إن أخذته أسيرا: ليس لك أن تقتله. 

 

وليس لك أن تقيم عليه الحد؛ فبعض الناس يكون أقوى منالسارق،   

فيأخذه ويوثقه بالوثاق، ويربط يديه ورجليه، 

وقد يقول: أقْتُلُه الآن، أو أقطع يده؛ لأنه سارق!! فليس لك هذا، 

وإنما تسلمه لولاة الأمور، ولا تُقم تقم عليه الحد؛ 

لأن إقامة الحد، من شأن ولاة الأمور، ولكن ترفع أمره لهم

 

والدليل على هذا الأحاديث، ما ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:🍀 "من قتل دون ماله فهو شهيد"(أخرجه البخاري)،

وفي لفظ: "من قُتل دون أهله فهو شهيد"(أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، وصححه الشيخ الألباني).

 

ومنها أيضالً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك"، 

قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، 

قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، 

قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار"(أخرجه مسلم واللفظ له، والنسائي وأحمد والبيهقي).

 

ومن كلام الإمام أحمد -رحمه الله- في هذا الباب؛ 

ما رواه الخلال في كتاب السنة، "قال: أخبرني عبد الملك الميموني أنه قال لأبي عبد الله  يعني: الإمام أحمد

هل علمت أحدا ترك قتال اللصوص تأثما؟ أي خشية الإثم، قال: لا، 

قلت: قوم يقولون: إن لقيتهم فقاتلهم، لا تضربه بالسيف وأنت تريد قتله، 

قال: إنما أضربه لأمنع نفسي ومالي منه، 

فإن أصيب فهل فيه، قلت: نعم يا أبا عبد الله أعلم أني أضربه بالسيف، ولست آلو قطع يده ورجله، وأشاغله عني بكل ما أمكن، قال: نعم، وقد كنت قلت له: في أن يخرج عليه؟ 

قال: وهو يدعوك حتى تخرج عليهم، هم أخبث من ذلك، 

ورأيته يعجب ممن يقول: أقاتله وأمنعه وأنا لا أريد نفسه؛أي فهذا مما لا ينبغي أن يشغل به القلب، 

له قتاله ودفعه عن نفسه بكل ما أمكنه أصاب نفسه أو بقيت"(السنن للخلال)

 

وروي بسند صحيح عن الإمام أحمد، قال: "أرى قتال اللصوص إذا أرادوا مالك ونفسك، فأما أن تذهب إليهم أو تتبعهم إذا ولوا فلا يجوز لك قتالهم"(السنن الخلال).

 

💐فالمقصود أن قتال اللصوص، وقتال الخوارج، إنما يقاتلهم الإنسان دفاعاً عن نفسه،

فلا يستعمل السلاح، وإذا اضطر إلى السلاح: فإنه يضربه بشيء يؤثر على بعض أعضائه؛

حتى يشتغل بنفسه عنه.

 

********************************