Wednesday, September 9, 2015

الدرس (٣٩) شرح أصول السنة

🌴الدرس (39) لكتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تأليف الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حفظه الله، 

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

 

كفر تارك الصلاة 

 

🍄المتن: قال رحمه الله: "ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله". 

ـــــــــــــــــــــــــــــ  

الشرح: 

🍄من أصول السنة كما قال الإمام أحمد: أن مَنْ ترك الصلاة: فقد كفر؛

إذ ليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة؛ فمن تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله.

هذا دليل على أن الإمام أحمد -رحمه الله- يُكَفِّرُ تاركَالصلاة؛

لأنه – كما هاهنا - ، يقول: من ترك الصلاة فقد كفر؛

يعني: كفراً أكبر مخرجاً من الملة.

هذا معنى 🍄قوله: "وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة"؛

لأن هناك من الأعمال ما فِعْله كفر، لكنه لا يُخرج من الملة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت"(حديث صحيح أخرجه مسلم وأحمد والبيهقي)،

سماهما النبي - عليه الصلاة والسلام – كفرا، ولكنهما لا يُخرجان مَنْ فعلهما من الملة.

🍄وقوله: "وقد أحل الله قتله" واضحٌ معناهُ، 

وأنَّ من صلى  فلا يُقتل كما يفيدُه مفهومٌ المخالفة؛

ولهذا قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: 🍀"نُهيتُ عن قتل المصلي"؛  

فدل على أن الذي لا يصلي لم يُنْهَ عن قتله، وإنما يُقتل. 

ومسألة ترك الصلاة فيه تفصيل للعلماء، وهي على حالتين: 

 

🌿الحالة الأولى: أن يتركها جحدا لوجوبها؛ فإذا تركها جاحدا لوجوبها، فهذا كافر بإجماع المسلمين، من غير خلاف؛

لأنه أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، هو: وجوب الصلاة،

وهذه قاعدة عند أهل العلم: أن من أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة وُجُوبه: كفر، 

مثل لو أنكر وجوب الزكاة، واعتقد أنها غير واجبة؛ فإنه يكفر، 

وكذا لو أنكر وجوب الصوم، أو وجوب الحج: فهو كافرٌ؛

لأن هذه أمور معلوم من الدين بالضرورة: وجوبها؛

إذ لم يخالف أحدٌ في وجوب الصلاة، أو في وجوب الزكاة، أو في وجوب الصوم، أو في وجوب الحج. 

 

لكن لو أنكر إنسان وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل،هل يكفر ؟ 

لا يكفر؛ لأن انتقاذ الوضوء بأكل لحم الجزور فيه خلاف بين أهل العلم، 

فبعضُ العلماء يرى الوضوء منه، وبعضهم لا يرى ذلك، 

فهذه مسألة خلافية، ليست وفاقيّة، 

لكن هل قال أحد منهم: إن الصلاة غير واجبة، 

أم أنهم أجمعوا على وجوبها، كما أجمعوا على وجوب الزكاة، والصوم، والحج، 

وأجمعوا على تحريم الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم والغيبة، والنميمة، 

فكل هذه الأمور معلومة من الدين بالضرورة، إما إيجابها، أو تحريمها؛

فَمُنْكِرُ ذلك: كافرٌ بإجماع أهل الإسلام.

 

لكن لو أنكر تحريم الدخان، فقال: الدخان ليس بحرام، فهل يكفر؟ لا يَكْفُر!! 

لماذا إذا أنكر تحريم الخمر يكفر، وإذا أنكر تحريم الدخان لا يكفر ؟ 

الجواب: لأن الخمر مجمع على تحريمها، وأما الدخان ففيه شبهة، فيه شبهة؛ 

لأن هناك من يُفتي بإباحته، فتحصل له الشبهة بذلك، 

وإلا فالصواب أن الدخان حرام، وأنه لا شك في تحريمه؛ 

لأنه ضار بالصحة، والمال، والبدن، ولأنه منتن الرائحة، ولأن فيه من تضييع المال ما فيه، 

ومن الناس من يرى أنه يُسكر، وذلك أنه إذا تأخر عن شُربِهِ ثم شَرِبَهُ فإنه يحصل له غيبوبة، 

وهذا نوع من السكر، لكن متعاضيه له شبهة، كما تقدم.

فالحاصل: أنه إذا أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة وجوبه أو تحريمه: فإنه يكفر. 

 

🌿الحالة الثانية: أن يترك الصلاة مع الإقرار بوجوبها، 

فيعتقد أن الصلاة واجبة، ومفروضة، ويرى أنه مستحق للعقوبة بِتَرْكِها، 

لكن تركها كسلا وتهاونا، فهل يكفر أو لا يكفر ؟ 

هذا محل خلاف بين الأئمة، فالإمام أحمد يرى أنه يكفر ولو لم يجحد وجوبها، 

ولهذا قال: 🍄"ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله". 

 

وهذا القول الذي ذهب إليه الإمام أحمد بتكفير تارك الصلاة كسلا؛

هو الذي أجمع عليه الصحابة، وأشار الإمام أحمد إلى الإجماع الذي نقله عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل الذي يقول: "ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة"(أخرجه الترمذي والحاكم).

 

ونقل الإجماع أيضا إسحاق بن راهويه، والإمام أبو محمد بن حزم، 

فقالوا: إجماع العلماء على أن ترك الصلاة كسلا وتهاونا يكون كفرا مخرجاً من الملة.

فإذاً: قد أجمع الصحابة على هذا، وكذلك روى الحاكم في مستدركه أن ترك الصلاة كفر، عن بعض الصحابة.

 

فمن أدلة مَنْ يقول بكفر تارك الصلاة تهاونا وكسلاً؛ قول عبد الله بن شقيق المتقدم، 

وحديث بريدة بن حصين الذي رواه الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 🍀"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" والذي يحبط عمله هو الكافر. 

قال الله تعالى:🌹 {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة 5)،

 

واستدلوا أيضاً بما رواه الإمام مسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال🍀: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة"(أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد)

فجعل ترك الصلاة حداً فاصلاً بين الإسلام وبين الكفر، والبَيْنِيَّةُ تَفْصِلُ ما بين الشيء والشيء. 

 

وكذلك استدلوا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، بسند جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:🍀 "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"،

فجعل الصلاة حداً فاصلاً بين أهل الإيمان والكفر.

واستدلوا أيضاً بحديث:🌸 "من ترك صلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله"،

واستدلوا أيضا بحديث: النهي عن الخروج على الأمراء، وفيه:🌸 "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان"؛ يعني: واضحا لا لبس فيه. 

 

ثم قال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام مسلم، من حديث عوف بن مالك الأشجعي: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم"(أخرجه مسلم والدارمي وأحمد)،

يعني: تدعون لهم، ويدعون لكم- "وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، 

قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة"  "قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة"،

فنهى نهى عن الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة،

فدل ذلك على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة؛ فيجوز الخروج عليهم. 

 

فإذا ضممت هذا الحديث: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة"

وفي لفظ: "لا ما صلوا" مع أحاديث النهي عن الخروج على الأمراء "إلا أن تروا كفرا بواحا"، 

إذا جمعت بينهما؛ دل على أن ترك الصلاة كفرٌ بواح.

 

ومن ترك الصلاة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كفرا، 

وحينئذ لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين في مقابرهم، بل تُرمى جيفته كجيفة الحمار أو الكلب، والعياذ بالله، ويُحفر له حفرة حتى لا يؤذي الناس بنتنه. 

 

وذهب الفقهاء المتأخرون إلى أن ترك الصلاة كسلا وتهاونا لا يكون كفرا أكبر، وإنما يكون كفرا أصغر، 

واستدلوا بأن معه شعبة من شعب الإيمان، وهو التصديق، 

وقالوا: كيف نجعله مثل المكذب، فالمكذب هذا جاحد كافر، وهذا مؤمن يصدق بالصلاة ويقول: أنا أشهد أن الصلاة واجبة، لكنه تركها كسلا، فمثل هذا لا يكفر؛ لأن معه شعبة من شعب التصديق، ولأن الصلاة عمل، فلا يكون كفره كفرا مخرجا من الملة، بل كفراً أصغر. 

وهذا حُكمه أن يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل حدا، وإذا قُتِلَ فإنه يُصلى عليه؛ لأنه قُتل حدا. 

 

هذا ما ذهب إليه كثير من الفقهاء المتأخرين من الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنابلة، 

يرون أن ترك الصلاة كسلا وتهاونا؛ لا يُخرج من الملة. لكن أي القولين أصوب؟

الله تعالى يقول🌹:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء 59)، 

ونحن إذا رددنا هذه المسألة إلى النصوص، وجدنا أن النصوص، تؤيد القول الأول، وهو القول بكفر تارك الصلاة كَسَلاً وتهاوناً. 

 

وحكم الحاكم عند أهل العلم يرفع الخلاف، فإذا رُفِعَ إلى القاضي رجل لا يصلي، فنقول: إن حكم عليه بالكفر الأكبر وقتله على أنه مرتد؛ فإنه يكون مرتدا، وإن حكم عليه بأنه يقتل حدا يكون كفره كفرا أصغر؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، 

وهنا مسألة: وهي: إذا قلنا بأنَّ تارك الصلاة يكفر، فهل يكفر بترك الصلوات كلها، أو بترك بعضها؟ 

على قولين: 

 

🌼قال بعض العلماء: إنه لا يكفر حتى يترك الصلوات كلها، أما إذا كان يصلي ويترك: فلا يكفر، بل لا بد أن يترك الصلوات كلها. 

 

🌼وقال آخرون من أهل العلم: إنه يكفر ولو ترك فرضا واحدا عامدا متعمدا؛ فإذا ترك فرضاً واحداً متعمداً حتى خرج الوقت، وليس له عذر في ذلك؛ أي: ليس متأولا، ولا ناسيا، ولا نائما نوم يُعذر فيه، قالوا: بكُفْرِه، 

وعلى هذا: فالذي يؤخر صلاة الفجر ولا يصليها إلا بعد شروق الشمس متعمدا، كما يفعل بعض الناس، فإنه يكفر على هذا القول؛ لأن بعض الناس يضبط الساعة على وقت العمل، ولا يستيقظ إلا بعد شروق الشمس، ويستمر على هذا الأمر ويعتادُه، حتى إنه إذا نُبِّه وحُذِّر لم يلْتفتْ ولم يكترث.

فمثل هذا كَفَّرَهُ جمع من أهل العلم، منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أفتى بأن الذي يؤخر الصلاة عن وقتها باستمرار، بحيث يكون ذلك ديدنه وعادته؛ فإنه يكفر والعياذ بالله. 

 

-------------------------- 

Wednesday, September 2, 2015

الدرس (٣٨) شرح أصول السنة

🌴الدرس (38) لكتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تأليف الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حفظه الله، 

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

 

🌸الإيمان قول وعمل يزيد وينقص:

 

وقد تتبع البيهقي -رحمه الله- هذه الشعب من الكتاب والسنة، وأوصلها إلى أعلى الجمع، وهي تسع وسبعون؛

فألف كتاباً سماه "شُعب الإيمان"، وتتبعها من النصوص.

 

فالإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله، وهي قول باللسان، 

وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهذا عمل بدن، 

والحياء شعبة من الإيمان، وهذا عمل قلبي، وبين تلك الشُّعب: الأعلى والأدنى، شُعَبٌ أخرى، فالصلاة شعبة، والصيام شعبة، والزكاة شعبة، والحج شعبة، والأمر بالمعروف شعبة، والنهي عن المنكر شعبة، وهكذا، فكل هذه شعب داخلة في مسمى الإيمان. 

 

وفي الحديث الذي رواه الشيخان: لما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه سلم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذا الحي من ربيعة قد حالت بيننا وبينك كُفار مُضر، ولسنا نخلص إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك وندعو إليه مَنْ وراءنا.

قال: 🍀"آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وعقد يده هكذا، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت. وقال سليمان وأبو النعمان عن حماد: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله"(أخرجه البخاري).

 

ففسر الإيمان في هذا الحديث، بالعمل؛ 

فأدخل في الإيمان بالله: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس من المغنم، 

فكيف يقال بعد هذا: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان!!.

 

🚫وأما الخوارج والمعتزلة، فإن مذهبهم في مسمى الإيمان، هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لا يفترق.

ذلك أنهم يقولون: الإيمان قول باللسان، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، 

لكن الفرق بينهم وبين أهل السنة والجماعة، 

أن أهل السنة والجماعة يقولون: إذا فعل الإنسان المعصية، نقص الإيمان وضعف، 

وأما الخوارج والمعتزلة فيقولون: إذا فعل الإنسان الكبيرة انتقض إيمانه وخرج من الإيمان؛

يعني: يخرج من الإيمان بالكبيرة؛ لأن الإيمان عندهم الإيمان شيء واحد، إذا زال: زال جميعُه،

وإذا ثبت: ثبت جميعه، لأنه لا يتبعض؛ ولأنه حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال أجزائها. 

 

🚫إذاَ فالخوارج مع قولهم: أن الإيمان قول وعمل، وتصديق، لكنهم يقولون: إذا فعل المرءُ الكبيرة؛ زال عنه الإيمان بالكلية؛ أي: خرج من الإيمان ودخل في الكفر، ويخلدون في النار. 

🚫والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر؛ فيكون في منزلة بين المنزلتين، 

يسمونه فاسقاً؛ لا هو مؤمن ولا هو كافر، ويخلدونه في النار؛ كالخوارج، وهذا من أبطل الباطل.

🚫أما مرجئة الفقهاء، وهم الإمام أبو حنيفة وغيره، فيقولون:الإيمان شيئان : إقرار اللسان وتصديق بالقلب. 

ويقولون: الأعمال ليست من الإيمان لكنها مطلوبة، 

فعندهم: أن الواجبات واجبات، والمحرمات محرمات، لكن لا نسميها إيمان، وإلا فهي مطلوبة، 

مثل: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. 

 

وكذلك ترك المحرمات، فقالوا: المسلم مطلوب منه أن يترك المحرمات، مثل: شرب الخمر، والتعامل بالربا، ويترك الرشوة، لكن لا نسمي هذه إيماناً،

بل نقول: الإنسان عليه فعل الواجبات، وترك المحرمات، لكنها ليست من الإيمان.

💐وجمهور أهل السنة يقولون: الأعمال واجبة، وهي من الإيمان.

 

وعليه، فقد قيل: إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين الجمهور خلاف لفظي؛

لأن كلا من الطائفتين اتفقوا على أن الواجبات واجبات، 

واتفقوا على أن المحرمات محرمات، 

واتفقوا على أن الواجب يجب فعله، وأن من فعله يثاب، وأن من تركه فإنه ويعاقب، 

وكذلك المحرم يجب تركه، وأن من فعله يعاقب. هذا ما اتفقوا عليه، 

لكن اختلفوا في التسمية، فجمهور أهل السنة قالوا: نسميالأعمال إيمانا، والأحناف قالوا: لا نُسميها إيمانا. 

 

لكن التحقيق أن الخلاف ليس لفظياً، ويتبين ذلك من وجوه:

🌿أولاً: أن جمهور أهل السنة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى، 

ومرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة في المعنى وخالفوهما في اللفظ، 

والواجب على المسلم أن يتأدب مع النصوص، وأن يوافق الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى، 

ولا يجوز له أن يخالفهما لا في اللفظ، ولا في المعنى.

 

🌿ثانيا: أن مرجئة الفقهاء في اختلافهم مع جمهور أهل السنة، فتحوا الباب للمرجئة المحضة، فدخلوا معهم؛

لما قالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، وإن كانت واجبة؛ فدخلت المرجئة المحضة الجهمية وقالوا: ليست واجبة.

 

🌿ثالثاً: أنهم فتحوا الباب للفساق، فيأتي الفاسق السكير العربيد فيقول: أنا مؤمن كامل الإيمان؛ إيماني كإيمان أبي بكر وعمر، وكإيمان جبريل، وميكائيل، 

فإذا قيل: كيف يكون إيمانك كإيمان أبي بكر، وعمر، أبو بكر، وعمر لهما أعمال عظيمة؟

فيقول: لأن الإيمان هو: التصديق فقط، ولا علاقة للعمل بالإيمان، وعلى هذا: فأنا مصدق وأبو بكر مصدق، فأنا وهم في هذا الأمر سواء!!.

 

🌿رابعاً: ومن ثمرات الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة: مسألة الاستثناء في الإيمان،

وهو أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله، 

فمرجئة الفقهاء يمنعون أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، 

يقولون: لأنك بهذا: تشك في إيمانك؛ والإيمان شيء واحد وهو: التصديق،

وأنت تعرف من نفسك أنك مصدق، كما تعلم من نفسك أنك تحب الرسول، وتبغض اليهود،

فكيف تقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟!

ولهذا يقولون: من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فقد شكَّ في إيمانه، ويسمونهم: الشكّاكة.

فيمنعون بناءً على أصلهم الفاسد هذا الاستثناء في الإيمان.

 

💐وأما جمهور أهل السنة فيفصلون، فيقولون: يجوز الاستثناء باعتبار، ولا يجوز باعتبار؛

فإذا قصد الإنسان الشك في أصل إيمانه، فلا يجوز له الاستثناء، فلا يقول أنا مؤمن إن شاء الله، 

أما إذا لم يرد الشك في أصل إيمانه، وأراد: أن الإيمان متعدد، وأنه شُعب،

وأن الإنسان لا يزكي نفسه، ولا يجزم بأنه أدى ما عليه؛ فإنه يستثني، 

ويجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويكون الاستثناء راجعاً إلى شرائع الإيمان؛ لأنه متعدد،

والإنسان لا يجزم بأنه أدى ما عليه، ولا يزكي نفسه، 

بل يزري على نفسه فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ يعني: إن شاء الله كملتُ وأديتُ ما عليَّ. 

 

وكذلك إذا أراد بالاستثناء، التبرك بذكر اسم الله، فله أن يستثني فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، 

وكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة، وأما إذا أراد الشك في أصل الإيمان فلا.

 

فهذه كلها من ثمرات الخلاف بين مرجئة الفقهاء، أبي حنيفة وأصحابه القائلين: بأن الإيمان: تصديق القلب، وإقرار باللسان،                                                    وبين جمهور أهل السنة القائلين: بأن الإيمان: قول، وعمل، ونية. 

 

*******************